نبيل أحمد صقر
98
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
وقوم تبع هم حمير ، وهم سكان اليمن وحضر موت من حمير وسبأ ، وقد ذكرهم اللّه تعالى في سورة ق . وتبع بضم الميم وتشديد الموحدة لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن حميرا وسبأ وحضر موت . فلا يطلق على الملك لقب تبع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة ، قيل سموه تبعا باسم الظل لأنه يتبع الشمس كما يتبع ظل الشمس ، ومعنى ذلك : أنه يسير بغزوته إلى كل مكان تطلع عليه الشمس ، كما قال تعالى في ذي القرنين فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ إلى قوله لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً « 1 » وقيل لأنه تتبعه ملوك مخاليف اليمن ، وتخضع له جميع الأقيال والأذواء من ملوك مخاليف اليمن وأذوائه ، فلذلك لقب تبعا لأنه تتبعه الملوك . وتبع المراد هنا المسمى أسعد والمكنى أبا كرب ، كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق ، ويقال إنه الذي بنى مدينة الحيرة في العراق ، وكانت دولة تبع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية ، وقيل كان في حدود السبعمائة قبل بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وتعليق الإهلاك بقوم تبع دونه يقتضى أن تبعا نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلّط على قومه ، قالت عائشة : ألا ترى أن اللّه ذم قومه ولم يذمه . والمروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في مسند أحمد وغيره أنه قال : « لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ( وفي رواية ) كان مؤمنا » وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام ، وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبرين من أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها ، وذلك يقتضى نجاته من الإهلاك ولعل اللّه أهلك قومه بعد موته أو في مغيبه » « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الكهف ، والآيات المقصودة : 86 - 90 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، ج 25 ، ص 308 .